السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)
69
رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم
--> دخول عالم التوحيد لا يستلزم فناء القوى الطبيعيّة ، بل يستلزم تخطّى الهوى النفس والجبروتيّ ، والتحقّق والعبور من القيامة الانفسيّة الصغرى والوسطى والكبرى أمر ممكن في هذه النشأة . وعلى الرغم من مباشرة المرء لُامور الزراعة والتجارة والنكاح ، فإنّ بإمكانه من خلال مجاهدة النفس الأمّارة أن يجتاز جميع المراحل السالفة الذِّكر ، وأن يطوي في هذا العالَم مراحلَ البرزخ والقيامة وسؤال مُنكَر ونكير وعوالم الحشر والنشر والسؤال والعَرض والميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب والأعراف والجنّة والشفاعة والنار ، وأن يرد الجنّة من دون حساب : فَاولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ( الآية 40 ، من السورة 40 : غافر ) ، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحثّ عليه : مُوتُوا قَبْلَ أنْ تَمُوتُوا ( ورد هذا الحديث في « مرصاد العباد » الباب 4 ، الفصل 2 ، ص 179 و 182 ؛ وفي الباب 4 ، الفصل 2 ، ص 193 ) ؛ ويشير إليه أيضاً كلام أمير المؤمنين عليهالسلام في « نهج البلاغة » : وَأخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أنْ تُخْرَجَ مِنْهَا أبْدَانَكُمْ . وأكثر منها صراحة : الخطابات المعراجيّة المصدّرة بخطاب « يا أحمد ! يا أحمد ! » ، التي خاطب بها الله تعالى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليلة المعراج ، وقد وردت مفصّلة في « بحار الأنوار » ج 17 ، ص 6 فما بعد ؛ ومن جملتها خطابه في شأن محبّي الله وأوليائه : قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةً ، يَمُوتُ النَّاسُ مَرَّةً وَيَمُوتُ أحَدُهُمْ في كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةٍ مِنْ مُجَاهَدَةِ أنْفُسِهِمْ وَمُخَالَفَةِ هَوَاهُمْ . . . ( إلى أن قال ) : فَوَ عِزَّتِي وَجَلَالِي لُاحْيِيَنَّهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً إذَا فَارَقَتْ أرْوَاحُهُمْ مِنْ جَسَدِهِمْ ؛ لَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَلَكَ المَوْتِ ، وَلَا يَلِي قَبْضَ رُوحِهِمْ غَيْرِي ، وَلأفْتَحَنَّ لِرُوحِهِمْ أبْوَابَ السَّمَاءِ كُلِّهَا ، وَلأرْفَعَنَّ الحُجُبَ كُلَّهَا دُونِي . . . ( إلى أن قال ) : وَلَا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَ رُوحِهِ سِتْرٌ . . . ( إلى أن قال ) : وَأفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ حتّى يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ وَيَنْظُرَ بِقَلْبِهِ إلى جَلَالِي وَعَظَمَتِي . . . ( إلى أن قال ) : وَأُسْمِعُهُ كَلَامِي وَكَلَامَ مَلَائِكَتِي ، وَأُعَرِّفُهُ السِّرَّ الذي سَتَرْتُهُ عَلَى خَلْقِي . . . . ولو عبّر العلماء عن هذا العبور والأمر على هذه الكيفيّة بالعبور من عالَم الهوى والنفس الأمّارة ، كان أفضل .